ابن الجوزي
249
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
اللَّهمّ إن كان هذا لك رضا فأعني عليه وسددني ، فإن كان غير رضا فاصرفه عني بموت ، وأقبل في اثني عشر رجلا ، ثم اجتمع أصحابهم وأخذ خزان بيت المال وصاحب البريد وكل من يحذره ، وقبضوا سلاحا كثيرا من المسجد كان فيه . وخرج الوليد إلى حصن للعرب ، وقصده أصحاب يزيد فقاتلهم في جماعة معه ، وقال لأصحابه : من جاء برأس فله خمسمائة ، فجاء قوم بأرؤس ، فقال : اكتبوا أسماءهم ، فقال رجل : ما هذا يوم يعمل فيه بنسيئة ، فتفرق عنه أصحابه فدخل الحصن وأغلق الباب وقال : أما فيكم رجل له حسب وحياء أكلمه كلمة ؟ فقال له يزيد بن عنبسة : كلمني ، قال : ألم أزد في أعطياتكم ، ألم أعط فقراءكم ، ألم أخدم زمناكم ، فقال : ما ننقم عليك في أنفسنا ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله ، فرجع إلى الدار فجلس وأخذ مصحفا وقال : يوم كيوم عثمان . ثم إن أصحاب يزيد علوا حائط [ 1 ] الدار ، وكان أول من علاه يزيد بن عنبسة ، فنزل إلى الوليد وسيف الوليد إلى جنبه ، فقال له ابن عنبسة : نحّ سيفك ، فقال له الوليد : لو أردت السيف لكان لي ولك حال غير هذه ، فأخذ بيد الوليد وهو يريد أن يحبسه ويؤامر فيه ، فنزل من الحائط عشرة [ 2 ] ، فضربه أحدهم [ 3 ] على رأسه ، وضربه آخر على وجهه [ 4 ] ، واحتز آخر رأسه [ 5 ] ، وقدم بالرأس على يزيد فسجد ، وكانوا قد قطعوا كفه ، فبعثوا بها إلى يزيد قبل الرأس ، فأمر يزيد بالرأس فطيف به في دمشق ثم نصب [ 6 ] . وكان يزيد قد جعل في رأس الوليد مائة ألف ، وانتهب الناس عسكره وخزانته .
--> [ 1 ] في الأصل : « تحلوا » هكذا بدون نقط . وفي ت : « فعلوا الحائط » . [ 2 ] ذكرهم الطبري 7 / 246 ، منهم : « منصور بن جمهور ، وحبال بن عمرو الكلبي ، وعبد الرحمن بن عجلان مولى يزيد بن عبد الملك ، وحميد بن نصر اللخمي ، والسري بن زياد بن أبي كبشة ، وعبد السلام اللخمي » . وفي الأغاني : « منصور بن جمهور ، وعبد الرحمن ، وقيس مولى يزيد بن عبد الملك ، والسري بن زياد بن أبرهة » . [ 3 ] في الطبري الَّذي ضربه هو : « عبد السلام اللخمي » . وفي الأغاني : « عبد الرحمن السلمي » . [ 4 ] في الطبري والأغاني : « السري بن زياد » . [ 5 ] في الطبري هو : « أبو علاقة القضاعي » . [ 6 ] في ت : « فأمر يزيد بالرأس فنصب وطيف به في دمشق .